من أسرار التقديم في القرآن الكريم: دراسة بلاغية - مجلة جامعة الناصر
إن ظاهرة تقديم ركن من أركان الجملة العربية وتأخير الركن الآخر تتم وفقاً لأغراض بلاغية متنوعة يلحظها المتكلم ، وينظم حديثه وفقاً لهما لكي يُؤَدَّى المعنى أداءً سليماً وواضحاً ، كما إنه يكسب الأسلوب قوة وجمالاً . وفي فضل التقديم والتأخير أورد عبدا لقاهر الجر جاني كلاماً جميلاً مبيناً شأن التقديم والتأخير ، فقد أولاه عنايته ، وفصل القول فيه ، وقد بدأ الحديث فيه بالإشارة إلى فضله ، وبيان أنواع التقديم وما تكون علية ، موضحاً أن التقديم على نوعين :
أ- نوع يكون التقديم فيه على نية التأخير ، أي أن هذا التقديم لا يخرجه عن بابه ولا يحوله عن أصله ، وذلك كأن تقدم الخبر على المبتدأ مثلاً فتقول : فوق الشجرة طائر ، أو تقدم المفعول على الفاعل ، فتقول : قطفَ الزهرةَ عليُّ ، فقد بقي المبتدأ مبتدأ ، والخبر خبراً في المثال الأول ، وبقي الفاعل فاعلاً والمفعول مفعولاً في المثال الثاني .
ب- نوع يخرج فيه المقدم عن أصله ويُحول عن بابه ، ويأخذ حكماً جديداً ، وذلك في الخبر المعرفة ، نحو قولك : زيدٌ المنطلق ، والمنطلق زيدٌ ، فحين قدمنا الخبر لم يعد خبراً وإنما صار مبتدأ ، وصار زيد الذي كان مبتدأ خبراً ، ومثل تقديم المفعول في قولنا : ضربتُ زيداً ، فإننا حين نقدم فنقول : زيدٌ ضربتهُ ، يتحول المفعول إلى مبتدأ خبره الجملة الفعلية بعده ، ويعمل الفعل في ضميره.
وقد أدرك شيخ البلاغيين ذلك عندما قال : إنه قدم للعناية ولأن ذكره أهم ، من غير أن يُذْكر ، من أين كانت تلك العناية ، وبم كان أهم ؟ ولتخيلهم ذلك ، قد صغر أمر ” التقديم والتأخير ” في نفوسهم ، وهوّنوا الخطْب فيه ، حتى إنك لترى أكثرهم يرى تتبعه والنظر فيه ضرباً من التكلّف. وهذا ما وقع فيه ظن كثير من الناس .
و في ترتيب كلمات القرآن الكريم وجدنا أسباباً متعددة لتقديم لفظ على لفظ في آيات وتأخرت في آيات لسياق الحديث، وهذا كله مؤداه السياق العام للقرآن الكريم وبلاغته المعجزة. لأنّ أسلوب التصوير القرآن في رسم مشاهده وإيضاحها، ارتبط ارتباطاً وثيقاً بالتقديم والتأخير، فقد أبرزت المعاني والصور والمشاهد عن طريق المعنى أو المشهد الحسي لتأكيد الكلام وتثبيت المشاهد وإطلاق الخيال للمستمع أو القارئ.


